..
..
اللمسات الإبداعية
في المقهى وحديث المقاهي معلوم حديثه من أوله...
مجرد ثرثرة محملة بقناطير من الترهات والاكاذيب لقتل الوقت وكأن هذا الوقت مجرد مرارة نود أن نتناساها بوضعها في فناجين القهوة وارتشافها ارتشافا
حديث النساء في الحمام؟
يقولون انه يشبه  تماما حديث الرجال في المقاهي
مجرد سفسفة لا تبدي ولا تعيد وهذا حال من يظن ان الصمت لا بد ألا يكون
أخذت جرعة سوداء-كأيامي- من الفنجان ثم قلت لصديق لي لا تفارق عيناه أوراق جريدة مقلوبة
-أتعلم يا طارق؟ قد رايت البارحة سيارة تنطلق بسرعة جنونية حتى خُيِّل إلي ان شبحا يقودها وليس يحمل في صدره قلبا انسانيا..هذا حال الشبان السذج يظنون أن الاثارة توجد في إلغاء الفرامل من حياتهم
هيه يا عصر السرعة قد فهمك الناس فهما مستقيما كالقوس
ذريعتهم في الاسراع في الأكل أو الكلام أو المشي أو العمل أن الوقت لا يرحم
أياليت كانت لهم معدات لا تمرض البتة وألسنة لا تزل أبدا و أقداما لا تتعثر و أياد تتقن العمل دوما..كان يمكنني أن أغمض عيني و أقول لا عيب في الإسراع
يسرعون  وبيأي حق يسرعون؟
 لعلهم حقا يشعرون بقيمة هذا الوقت...حقا كنت سأقول ذلك لو لم أرَ بنفسي ذلك الراكب السيارة المجنونة ينزل مسرعا ليتخذ له مقعدا في المقهى هو الآخر
 
 
لم ينتبه صديقي لكل هذا الكلام لكنه اهتم بحديث السيارة وكأن أذنيه خلقتا لالتقاط التفاهات دون غيرها... حديث السيارة- هذا الذي اتخذته وسيلة لأتحدث عن الغاية  التي هي الوقت-هو الذي أثار ذهنه المليء بالفراغ فقال-ويا ليته ما قال-
-سيارة بسرعة مجنونة؟ اكادت تدهسك؟
 
استعذت بالله من فأله المشؤوم هذا ثم أجبت بالنفي وصمت صمتا لم أحب حديثا بعده
 
       مرت أسابيع فقابلت صديقا آخر لي استوقفني  متعجبا باستغراب كبير  قائلا
-قف بربك  ففي الشهر الماضي كنت في غرفة الانعاش تصارع الموت فكيف شفيت بهذه السرعة الهائلة بعد أن توقع الجميع أنك هالك لا محالة؟
تعجبت منه اكثر من تعجبه مني ..فأنا لم أتعرض لأي مكروه والحمد لله فكيف تألفت هاته القصة  الخرافية وأنا بطلها دون علم مني؟
قال
-كنت مع عزيز فأخبرني أن سيارة  صدمتك حتى رفعتك خمسة أمتار عن الأرض ثم سقطت مهشم الأضلع فاقدا الوعي
اتجهت نحو عزيز -لا أعزه الله- وسألته عن سبب هذه الأقصوصة الغرابية فأخبرني أن أمين قال له أن السيارة صدمتني فهشمتني تهشيما بعد أن رفعتني مترين عن الأرض ولكني لم أفقد وعيي كما قيل  فعلمت ان الرجل الأول قد
 أضاف بعض المقبلات حتى يفتح الشهية أكثر للخبر
ثم اتجهت الى أمين -لا أمَّنه الله- فقال أن عمر قال له أن السيارة قد صدمتني لكنها لم تكن بتلك الخطورة التي تجعلني أدخل غرفة الإنعاش فعلمت أن عزيزا قد أضاف الملح على الخبر....يا سلام على هذه السلاطة
انطلقت باحثا عن عمر-لا أطال الله له عمرا-فلما لقيته و سالته قال أن عصام قال له ان السيارة صدمت يدي حتى كادت تهشمها لكنها لم تصدم جسدي كله كما قيل
هاه..ها هو الامر بدأ يتضح الآن
بحثت عن عصام واستفسرته الامر فأجاب أن السيارة لم تصدم يدي بل أصابعي فذهبت إلى من قال ذلك فاجاب أن صديقا له قال أني رايت سيارة تمضي بسرعة جنونية كادت تدوسني و أوشكت أن تطير بملابسي وكأنها اعصار مدمر..فاتجهت نحو هذا الرجل  الذي لم يكن غير صديقي طارق الذي كنت معه في المقهى
فسالته عن سبب اختلاقه هذه المغامرة عني
ملابس تطير وسيارة تكاد تدوسني...هذا كله لم يكن
فأجاب
-أنا لم أقل شيئا مغايرا تماما...كلامي لا يعتبر كذبا فكل ما في الأمر أنها مجرد إضافة صغيرة لم تغير المضمون الذي هو أن السيارة كانت مسرعة
في رأيه هو لم يكذب  .....وصراحة في راي كل واحد من هؤلاء الأصدقاء هم لم يكذبوا..فكل واحد منهم أضاف لمسته الإبداعية من فكره الخلاق لإعطاء صورة أكثر جمالية
في الحقيقة أنا لم أغضب من هذه القصة لأن هذه الاضافات التي تفيد الاثارة لم تكن من مواهب أصدقائي فقط بل كنت أنا أكثرهم موهبة
فلو نقلت أنا الخبر كما هو دون اللمسة الابداعية لما توصلت بخبر موتي
فالسيارة كانت بكل بساطة مسرعة سرعة معقولة وليست جنونية كما ادعيت
كنت أنا المجنون حين جعلت سرعتها جنونية
لم أتخيل قط أن الصورة الوهمية التي رسمتها في خيال صديقي عن السرعة قد تتحول هي نفسها الى موتي في أخيلة باقي الأصدقاء
كان عليّ أن احمل الطبق فارغا وأضعه فارغا بين يدي صديقي حتى يضعه هو فارغا بين أيدي آخرين أو يتركه مكانه
لكني حين  وضعت فيه زيتا ليكون اكثر لمعانا أوحيت له أن يصنع أكلة بتلك الزيت فقطع الطماطم ثم وجد الطبق صديق آخر فأضاف البصل وآخر أضاف الخس وآخر أضاف الملح
ليعود إلي الطبق وعليه سلاطة
سلاطة ساهمت أنا في تحضيرها...فوا عجبي....بل لا عجب
 
غربة أخيرة
 
حين يصلك خبر فتبين صحته قبل أن تصدقه  لأن هناك رياحا تلعب بالأحرف فتصنع منها كلمات لم تكن  وتعدم فيها كلمات كانت
لان هناك رياحا لو كان قانونها سائدا منذ زمن لوصلك  في كتب التاريخ  أن الكرة الأرضية قد تدمرت  ومن عليها...فصدق أو لا تصدق
 
 
جمال الزولاتي
jamal zoulati


أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية