وقف شيخ كالثلج شعره بياضا وتجاعيد جبهته تنبئ بمرور أحداث تعودت فيها عيناه على الانفتاح دهشة واستغرابا فجعلته يؤمن أن الصمت هو خير وسيلة يقابل بها هذا الوجود الذي طالما أخرس الجميع بأهواله
كان يحاول ألا يفزع الفتى المار من زقاق مظلم لا تتسرب اليه سوى انوار باهتة من قمر متلألئ..فتقدم نحوه بهدوء وهو يردد عبارات الطمأنة علها تبعث الى قلبه الثبات
-لا تخف يا أخي..
-أخوك؟ أنت بمثابة جدي أيها الشيخ..
رسم على شفتيه ابتسامة تجريدية تحمل أكثر من معنى وقال في هدوء أكبر
-كلانا على صواب وليس فينا مخطئ..لكن دعك من هذا فغايتي ليست دراسة الأعمار ولكن ما يمكن ان تحمله لنا أعمارنا من سعادة
-سعادة؟ هيهات أن نفهمها أو نلمسها ونحن أسرى القيود الزمنية...مادام هناك ماض نتحسر عليه ومستقبل نهابه فنحن تائهون وهل للتائه سعادة؟
و كأنه لا يصر الا على الابتسام الذي يحمل الألحان المضطربة ليتراقص قلب الفتى دون اتزان أو وتيرة محددة..ثم يرد بصوته المبحوح مصطنعا الهدوء دوما
-يبدو عليك يا أخي-أو يا بني- أن لك فلسفتك الخاصة التي تزن بها ما حولك... وأنت بجوابك هذا تذكرني بشخصي الذي كان يومن أن السعادة نملكها حين نتطلع على الغيب ونكسر حاجز المستقبل
أما الآن....
ثم صمت بعد تلعثم وكأنه يسترد عبارة تائهة أو كأن وعيه ينسج عبارة أخرى عكس ما كان ينسجه لا وعيه..ثم استطرد قائلا
-أما الآن فقد صرت أكثر يقينا أن السعادة يملكها المرء حين يطل على مستقبله
-أكثر يقينا؟ أيمكن أن أفهم أنك حصلت على سعادتك؟
تجمدت شفتاه على صورة اللامعنى الذي يحمل كل معنى تاركة عيناه تبتسمان قائلا
-أنا قد حصلت عليها بحصة أوفر..لم أر مستقبلي فقط وانما معه مستقبل الانسانية جمعاء وكم هي سعادتي كبيرة
-مستقبل الانسانية؟ أرجوك لا تخبرني أنك ماركسي المذهب تجعل الانسان كقطعة صابون يخرجها صانعها بالشكل الذي عليه قالبها..فلا هو التاريخ ولا هو المجتمع له الحكم المطلق على مصائرنايا سيدي
-لا لا..لست ماركسيا ولا عرافا ولا حكيما ثاقب البصيرة ولكني حققت سعادتي بهذا الكتاب الذي أهداني اياه شيخ حين كنت في مثل سنك.. وقد دار بيننا نفس الحوار الذي يدور بيني وبينك الآن..فكأن الزمن يصر أن يعيد نفس القصة بأسماء مختلفة
-و ما حكاية الكتاب؟
-حكايته أعجب من ان تصدقها فيستحيل وصول حقيقتها..لذلك ساخفي عنك حقيقته حتى تكتشفه وحدك كما اكتشفته أنا من قبل وحدي..لأني متيقن أنك ستهزأ بي وهزؤك بي يعني بطلان مفعول الكتاب..هاك كتابي هذا..اقراه بتمعن وإياك إياك أن تلقي به جانبا قبل أن تتمه لأنك ستضيع سعادة لو يعلمها الناس لتقاتلوا عليها بالسيوف والرماح
-تقصد بالدبابات والمدافع
-أجل بالدبابات والمدافع.. واعلم يا أخي أنك ستجد موضوع الكتاب تافها لا علاقة له بالسعادة ولا مستقبل..قد تجد فيه قصة مملة..لا عليك أكلمها..أو تجد وصفات للطبخ...أيضا أكملها..ليس الغاية فيما تفهم..الغاية فيما تقرأ
سلم الشيخ الغامض الكتاب للفتى وأصر أن يختفي بين المنازل متجاهلا نداءات الحيرة التي وضعها فجأة على قلب ساذج يبحث عن سعادة
أغلق الغرفة عليه بإحكام وجلس على كرسيه فاتحا الكتاب بكل اهتمام لينهل من حكمته كما نهل الشيخ.وانداس بفكره في الحروف..
كان كما لم يتوقع وأخبره الرجل..الكتاب أكثر من ممل..بل يكاد يقتل مللا والادهى أنه لا يحمل أية رسالة ولا أي معنى وكاد يلقيه جانبا لولا علمه أن النجاح دوما نصله عند اجتياز العقبات وقد تكون هذه احدى عقبات الوصول الى السعادة..وكم من أمور تافهة لو اهتممنا بها حققنا سعادتنا..
تحامل على نفسه إلى أن وصل الى منتصف الكتاب وحينها أحس بشعور مريب...كأن أشباحا تريده من خلفه أو كأن ضجيجا يصر أن يقلق هدوءه..حاول أن يستدير فأغمي عليه
********
استيقظ على ألم اعتصر قلبه من جلده حين هوى عليه رجل بعصى وفتيان كثر يرقبونه بنظرات التطلع الى ما سيحدث يحاولون حبس ضحكات تصر أن تنفجر
-قم أيها الشقي.هنا ليس مكان النوم بل العلم...ألا ترى أقرانك يستمعون الى درسي فمالك تجرؤ على شخيرك..قم فلك مني عقاب لن تذكره لأن ذاكرتك لن تتحمله..بل لن تنساه لأنه أصلا سيحيط بذاكرتك
انفجر الفتيان ضحكا حين نطق الفتى مستغربا
-في أي زمن أنا؟
توقف الرجل وكأنه فهم ما لم يفهمه الفتيان وأمر فتى ماضيه أن يتابع الدرس ولا يناقشه حرفا وإلا سيحل عليه أقسى عقاب سمع عنه.فانضم الى الصفوف وجلس ملقم الصمت لا يفهم ما حوله.وشرع الرجل يتابع تعليمه...
أثناء صمته كان يتابع ما يدله على أنه في المستقبل..الملابس ليست بالأشكال الغريبة التي عودته عليها أفلام الخيال العلمي..إنها ملابس بسيطة أشبه بملابس القرويين البسطاء
و كانت في أركان الغرفة شموع تنم عن خصاص في الكهرباء وجرار الماء فلا صنابير...و غرفة الدراسة هذه في أبأس حالاتها..فلا طلاء على جدرانها ولا نوافذ راقية كأنه في قبيلة من قبائل إفريقية
لم يستطع مقاومة دهشته فنهض معارضاهذا الموقف..فأشار المعلم الى الفتيان بالخروج دون الفتى المتمرد
انتبذا مكانا لهما وأخذ المعلم يتكلم
- أنت مثلهم أردت أن تروي ظمأ فضولك...اعلم يا بني أن السعادة ليست هي ارضاء الفضول...فمعرفة مصيرك لن تزيدك ان لم تنقصك...علمك بمرضك في مستقبلك لن يزيدك سوى خوفا وحزنا انتظارا مرضك الذي تتوقعه
-أنا يا سيدي لم اطمح الى معرفة مستقبلي وانما مستقبل الانسانية
-و هذا فضول أعظم..الفرد صورة مصغرة للمجتمع فإن كان تطلعك الى مستقبلك تهورا فالتطلع الى مستقبل مجتمعك أعظم تهورا ان كان بوسيلة تنافي الطبيعة
ألم يقل فولتير في روايته"كانديد" على لسان مارتان"لنعمل دون تفكير.ذلك خير سبيل لجعل الحياة محتملة"؟
صدقني يا بني..لو اطلعت على الغيب لاخترت الواقع فلا تبحث عن تغيير ما يجب أن يكون...أتريد أن تعرف مستقبل الانسانية؟
أتريد معرفة نهاية حرب الحضارات التي تعيشونها خلف ستار حوار الحضارات؟
وانتشار التقنية.. وسيطرة العولمة... وفساد الأخلاق.. والتلاعب بالقانون... وتغيير الطبيعة تمردا عليها؟
أتريد رؤية قمة الهرم العلمي الذي يتسلقه البشر من أجل إعلان ألوهيتهم؟
إنكم تتسلقون الهرم المقلوب فتصعدون بعلمكم الى سفح الجهل ويا له من تناقض يا بني حين يصير العلم جهلا لتفاهة استغلالكم له
أبنيتكم الفخمة سكنتها قلوب محطمة.. والمدن المتحضرة هي بؤر الجرائم.. ومصانع التلوث والمصائب... والسياسة التي تنشب نخالبها في كل ميدان يهدد حقارتها فتلغيه
قد مات الانسان فيكم يا بني حين صعدتم الى قمة المادة واكتفيتم بالجسد الذي هو أسفل ما يكون
و انتشار الامراض النفسية بسبب فراغكم الروحي هدم التلاحم الانساني بينكم...يا بني ماذا ترجو أن تكون النهاية؟
لا تنخدع بأفلام تعرض عليكم تصور العلم في قمة سعادته حين يصير سيد المادة.ان المرء حين يموت لا فائدة من قلادته العاجية ولا من خاتمه الذهبي ولا لباسه الحريري...الانسان فيكم يحتضر فهل تصدق أن الانسانية ستعالج المستقبل وهي تخلق أمراضه؟
-يكفي...اني لا أصدق أن المستقبل عاد كما الماضي...لا اصدق أن الانترنت والدبابات والكهرباء والقنابل الذرية والسيارات وكل ما انتجه العقل البشري سينجلي
كيف أصدق قولك وأنا كنت كلي يقيناأني لن أرى سوى ما فوق السحب؟....كيف أصدق أننا سنكون كحضارة أطلنتك المجهولة التي وصل فيها علماؤها الى أوج ما يمكن الوصول اليه من علمهم وذكائهم ثم طواها الفيضان الأعظم وتفرق العلماء حينها في كل بقاع الأرض ونشروا حضارتهم بنسب متفاوتة
تبسم الرجل في حسرة وقال
-إن كانت قصة أطلنتك حقيقة فعذرهم أن قوة خارجية دمرتهم أما قصتكم انتم فهي أعجب...حيث تصرون على قتل أنفسكم...يا بني عد الى زمانك فقد صدق تنبؤ اينشتين حين قال "لو قامت الحرب العالمية الثالثة فستكون الحرب التي تليها بالرماح والسيوف"
قد عادت البشرية الى خيولها وسيوفها واستراحت
-أتعلم سيدي أني جئت انشد السعادة فما وجدتها باختراق قيود الزمن.. والآن علمت أن الشيخ الذي حرضني على المجيء قد كذب حين أخبرني أنه تيقن من أن السعادة في التطلع الى المستقبل
أتعلم يا سيدي أني تعلمت اليوم أن السعادة ليست في العلم وانما في فهم هذا العلم وحسن استغلاله...فكاذب العالم ان ادعى ان علمه سيسعد البشرية مهما تقدم الزمن ان لم يحسن استعماله المستعمل
يا سيدي العلم مخطئ بخياله ان ادعى انه سيجلب السعادة.لأن السعادة ليست غاية وانما طريقا نمضي فيها في كل خطوة...نحتاج فقط الى وعي ما حولنا وعيا صحيحا لنعي سعادتنا
تبسم الرجل تبسم الأب الراضي عن ابنه ثم قال
-أحسنت...و بعد ان علمت كل هذا وجب عليك الرجوع الى زمنك وحاول الا ترسل احدا الى هنا كما فعل من سبقك لأن من سترسله الى هنا سيكون ضحية كما كنت انت ضحية
-ضحية؟ كيف؟
-حين ستعود الى زمنك ستجد نفسك شيخا ولن تجد فرصة الرجوع الى شبابك هذا الا بعد ان تقتنص فتى في مثل عمرك وتقنعه بقراءة الكتاب لتعود انت الى شبابك ويدخل هو المغامرة التي دخلتها أنت ومن سبقك
لم يصدق ما سمع ففتح الكتاب الذي صاحب رحلته الزمنية وأخذ يكمل قراءة الكتاب في ريبة من أمره فوجد مكتوبا ما أخبره به المعلم وحينها اختفى هو وكتابه
و نادى الرجل الفتيان أن ادخلوا لأكمل لكم درس حضارة انتحرت
*********
وقف شيخ كالثلج شعره بياضا وأقبل نحو فتى يقول له-لا تخف يا أخي فأنا لا أحب لك سوى السعادة
تبسم الفتى وقال
-مصائب قوم عند قوم فوائد...أعلمت الآن لم كنت اناديك يا أخي وليس يا بني؟
غلى الدم في رأس الشيخ وعلم ان غريمه هو هذا الواقف امامه فلم يجد سوى ان يخرج خنجرا كان في جيبه وطعنه به طعنة نجلاء فهوى الفتى على ركبتيه لا يصدق ما جرى له ونزع الخنجر من بطنه بألم رهيب وقبل أن يعي الشيخ ما حوله أحس بالطعنة من المطعون وهوى أيضا على ركبتيه وتقابلت نظراتهما الضائعة بين الكره والندم
وقال الشيخ مقاوما الألم
-أتعلم يا صديقي؟ حين كنت فتى ظننت أنك شيخ سعيد ولكني حين صرت شيخا وجدت ان في شبابي السعادة فكم نحن أغبياء
رد عليه الفتى
-كان بامكانك ان تجعل شيخوختك سعادة فالسعادة ليست محطة في مرحلة وانما هي طريق كما اعلم وتعلم
ثم سقط الاثنان تغسل دماؤهما سرهما تحت ذلك النور الباهت من ذلك القمر المتلألئ
كان يحاول ألا يفزع الفتى المار من زقاق مظلم لا تتسرب اليه سوى انوار باهتة من قمر متلألئ..فتقدم نحوه بهدوء وهو يردد عبارات الطمأنة علها تبعث الى قلبه الثبات
-لا تخف يا أخي..
-أخوك؟ أنت بمثابة جدي أيها الشيخ..
رسم على شفتيه ابتسامة تجريدية تحمل أكثر من معنى وقال في هدوء أكبر
-كلانا على صواب وليس فينا مخطئ..لكن دعك من هذا فغايتي ليست دراسة الأعمار ولكن ما يمكن ان تحمله لنا أعمارنا من سعادة
-سعادة؟ هيهات أن نفهمها أو نلمسها ونحن أسرى القيود الزمنية...مادام هناك ماض نتحسر عليه ومستقبل نهابه فنحن تائهون وهل للتائه سعادة؟
و كأنه لا يصر الا على الابتسام الذي يحمل الألحان المضطربة ليتراقص قلب الفتى دون اتزان أو وتيرة محددة..ثم يرد بصوته المبحوح مصطنعا الهدوء دوما
-يبدو عليك يا أخي-أو يا بني- أن لك فلسفتك الخاصة التي تزن بها ما حولك... وأنت بجوابك هذا تذكرني بشخصي الذي كان يومن أن السعادة نملكها حين نتطلع على الغيب ونكسر حاجز المستقبل
أما الآن....
ثم صمت بعد تلعثم وكأنه يسترد عبارة تائهة أو كأن وعيه ينسج عبارة أخرى عكس ما كان ينسجه لا وعيه..ثم استطرد قائلا
-أما الآن فقد صرت أكثر يقينا أن السعادة يملكها المرء حين يطل على مستقبله
-أكثر يقينا؟ أيمكن أن أفهم أنك حصلت على سعادتك؟
تجمدت شفتاه على صورة اللامعنى الذي يحمل كل معنى تاركة عيناه تبتسمان قائلا
-أنا قد حصلت عليها بحصة أوفر..لم أر مستقبلي فقط وانما معه مستقبل الانسانية جمعاء وكم هي سعادتي كبيرة
-مستقبل الانسانية؟ أرجوك لا تخبرني أنك ماركسي المذهب تجعل الانسان كقطعة صابون يخرجها صانعها بالشكل الذي عليه قالبها..فلا هو التاريخ ولا هو المجتمع له الحكم المطلق على مصائرنايا سيدي
-لا لا..لست ماركسيا ولا عرافا ولا حكيما ثاقب البصيرة ولكني حققت سعادتي بهذا الكتاب الذي أهداني اياه شيخ حين كنت في مثل سنك.. وقد دار بيننا نفس الحوار الذي يدور بيني وبينك الآن..فكأن الزمن يصر أن يعيد نفس القصة بأسماء مختلفة
-و ما حكاية الكتاب؟
-حكايته أعجب من ان تصدقها فيستحيل وصول حقيقتها..لذلك ساخفي عنك حقيقته حتى تكتشفه وحدك كما اكتشفته أنا من قبل وحدي..لأني متيقن أنك ستهزأ بي وهزؤك بي يعني بطلان مفعول الكتاب..هاك كتابي هذا..اقراه بتمعن وإياك إياك أن تلقي به جانبا قبل أن تتمه لأنك ستضيع سعادة لو يعلمها الناس لتقاتلوا عليها بالسيوف والرماح
-تقصد بالدبابات والمدافع
-أجل بالدبابات والمدافع.. واعلم يا أخي أنك ستجد موضوع الكتاب تافها لا علاقة له بالسعادة ولا مستقبل..قد تجد فيه قصة مملة..لا عليك أكلمها..أو تجد وصفات للطبخ...أيضا أكملها..ليس الغاية فيما تفهم..الغاية فيما تقرأ
سلم الشيخ الغامض الكتاب للفتى وأصر أن يختفي بين المنازل متجاهلا نداءات الحيرة التي وضعها فجأة على قلب ساذج يبحث عن سعادة
أغلق الغرفة عليه بإحكام وجلس على كرسيه فاتحا الكتاب بكل اهتمام لينهل من حكمته كما نهل الشيخ.وانداس بفكره في الحروف..
كان كما لم يتوقع وأخبره الرجل..الكتاب أكثر من ممل..بل يكاد يقتل مللا والادهى أنه لا يحمل أية رسالة ولا أي معنى وكاد يلقيه جانبا لولا علمه أن النجاح دوما نصله عند اجتياز العقبات وقد تكون هذه احدى عقبات الوصول الى السعادة..وكم من أمور تافهة لو اهتممنا بها حققنا سعادتنا..
تحامل على نفسه إلى أن وصل الى منتصف الكتاب وحينها أحس بشعور مريب...كأن أشباحا تريده من خلفه أو كأن ضجيجا يصر أن يقلق هدوءه..حاول أن يستدير فأغمي عليه
********
استيقظ على ألم اعتصر قلبه من جلده حين هوى عليه رجل بعصى وفتيان كثر يرقبونه بنظرات التطلع الى ما سيحدث يحاولون حبس ضحكات تصر أن تنفجر
-قم أيها الشقي.هنا ليس مكان النوم بل العلم...ألا ترى أقرانك يستمعون الى درسي فمالك تجرؤ على شخيرك..قم فلك مني عقاب لن تذكره لأن ذاكرتك لن تتحمله..بل لن تنساه لأنه أصلا سيحيط بذاكرتك
انفجر الفتيان ضحكا حين نطق الفتى مستغربا
-في أي زمن أنا؟
توقف الرجل وكأنه فهم ما لم يفهمه الفتيان وأمر فتى ماضيه أن يتابع الدرس ولا يناقشه حرفا وإلا سيحل عليه أقسى عقاب سمع عنه.فانضم الى الصفوف وجلس ملقم الصمت لا يفهم ما حوله.وشرع الرجل يتابع تعليمه...
أثناء صمته كان يتابع ما يدله على أنه في المستقبل..الملابس ليست بالأشكال الغريبة التي عودته عليها أفلام الخيال العلمي..إنها ملابس بسيطة أشبه بملابس القرويين البسطاء
و كانت في أركان الغرفة شموع تنم عن خصاص في الكهرباء وجرار الماء فلا صنابير...و غرفة الدراسة هذه في أبأس حالاتها..فلا طلاء على جدرانها ولا نوافذ راقية كأنه في قبيلة من قبائل إفريقية
لم يستطع مقاومة دهشته فنهض معارضاهذا الموقف..فأشار المعلم الى الفتيان بالخروج دون الفتى المتمرد
انتبذا مكانا لهما وأخذ المعلم يتكلم
- أنت مثلهم أردت أن تروي ظمأ فضولك...اعلم يا بني أن السعادة ليست هي ارضاء الفضول...فمعرفة مصيرك لن تزيدك ان لم تنقصك...علمك بمرضك في مستقبلك لن يزيدك سوى خوفا وحزنا انتظارا مرضك الذي تتوقعه
-أنا يا سيدي لم اطمح الى معرفة مستقبلي وانما مستقبل الانسانية
-و هذا فضول أعظم..الفرد صورة مصغرة للمجتمع فإن كان تطلعك الى مستقبلك تهورا فالتطلع الى مستقبل مجتمعك أعظم تهورا ان كان بوسيلة تنافي الطبيعة
ألم يقل فولتير في روايته"كانديد" على لسان مارتان"لنعمل دون تفكير.ذلك خير سبيل لجعل الحياة محتملة"؟
صدقني يا بني..لو اطلعت على الغيب لاخترت الواقع فلا تبحث عن تغيير ما يجب أن يكون...أتريد أن تعرف مستقبل الانسانية؟
أتريد معرفة نهاية حرب الحضارات التي تعيشونها خلف ستار حوار الحضارات؟
وانتشار التقنية.. وسيطرة العولمة... وفساد الأخلاق.. والتلاعب بالقانون... وتغيير الطبيعة تمردا عليها؟
أتريد رؤية قمة الهرم العلمي الذي يتسلقه البشر من أجل إعلان ألوهيتهم؟
إنكم تتسلقون الهرم المقلوب فتصعدون بعلمكم الى سفح الجهل ويا له من تناقض يا بني حين يصير العلم جهلا لتفاهة استغلالكم له
أبنيتكم الفخمة سكنتها قلوب محطمة.. والمدن المتحضرة هي بؤر الجرائم.. ومصانع التلوث والمصائب... والسياسة التي تنشب نخالبها في كل ميدان يهدد حقارتها فتلغيه
قد مات الانسان فيكم يا بني حين صعدتم الى قمة المادة واكتفيتم بالجسد الذي هو أسفل ما يكون
و انتشار الامراض النفسية بسبب فراغكم الروحي هدم التلاحم الانساني بينكم...يا بني ماذا ترجو أن تكون النهاية؟
لا تنخدع بأفلام تعرض عليكم تصور العلم في قمة سعادته حين يصير سيد المادة.ان المرء حين يموت لا فائدة من قلادته العاجية ولا من خاتمه الذهبي ولا لباسه الحريري...الانسان فيكم يحتضر فهل تصدق أن الانسانية ستعالج المستقبل وهي تخلق أمراضه؟
-يكفي...اني لا أصدق أن المستقبل عاد كما الماضي...لا اصدق أن الانترنت والدبابات والكهرباء والقنابل الذرية والسيارات وكل ما انتجه العقل البشري سينجلي
كيف أصدق قولك وأنا كنت كلي يقيناأني لن أرى سوى ما فوق السحب؟....كيف أصدق أننا سنكون كحضارة أطلنتك المجهولة التي وصل فيها علماؤها الى أوج ما يمكن الوصول اليه من علمهم وذكائهم ثم طواها الفيضان الأعظم وتفرق العلماء حينها في كل بقاع الأرض ونشروا حضارتهم بنسب متفاوتة
تبسم الرجل في حسرة وقال
-إن كانت قصة أطلنتك حقيقة فعذرهم أن قوة خارجية دمرتهم أما قصتكم انتم فهي أعجب...حيث تصرون على قتل أنفسكم...يا بني عد الى زمانك فقد صدق تنبؤ اينشتين حين قال "لو قامت الحرب العالمية الثالثة فستكون الحرب التي تليها بالرماح والسيوف"
قد عادت البشرية الى خيولها وسيوفها واستراحت
-أتعلم سيدي أني جئت انشد السعادة فما وجدتها باختراق قيود الزمن.. والآن علمت أن الشيخ الذي حرضني على المجيء قد كذب حين أخبرني أنه تيقن من أن السعادة في التطلع الى المستقبل
أتعلم يا سيدي أني تعلمت اليوم أن السعادة ليست في العلم وانما في فهم هذا العلم وحسن استغلاله...فكاذب العالم ان ادعى ان علمه سيسعد البشرية مهما تقدم الزمن ان لم يحسن استعماله المستعمل
يا سيدي العلم مخطئ بخياله ان ادعى انه سيجلب السعادة.لأن السعادة ليست غاية وانما طريقا نمضي فيها في كل خطوة...نحتاج فقط الى وعي ما حولنا وعيا صحيحا لنعي سعادتنا
تبسم الرجل تبسم الأب الراضي عن ابنه ثم قال
-أحسنت...و بعد ان علمت كل هذا وجب عليك الرجوع الى زمنك وحاول الا ترسل احدا الى هنا كما فعل من سبقك لأن من سترسله الى هنا سيكون ضحية كما كنت انت ضحية
-ضحية؟ كيف؟
-حين ستعود الى زمنك ستجد نفسك شيخا ولن تجد فرصة الرجوع الى شبابك هذا الا بعد ان تقتنص فتى في مثل عمرك وتقنعه بقراءة الكتاب لتعود انت الى شبابك ويدخل هو المغامرة التي دخلتها أنت ومن سبقك
لم يصدق ما سمع ففتح الكتاب الذي صاحب رحلته الزمنية وأخذ يكمل قراءة الكتاب في ريبة من أمره فوجد مكتوبا ما أخبره به المعلم وحينها اختفى هو وكتابه
و نادى الرجل الفتيان أن ادخلوا لأكمل لكم درس حضارة انتحرت
*********
وقف شيخ كالثلج شعره بياضا وأقبل نحو فتى يقول له-لا تخف يا أخي فأنا لا أحب لك سوى السعادة
تبسم الفتى وقال
-مصائب قوم عند قوم فوائد...أعلمت الآن لم كنت اناديك يا أخي وليس يا بني؟
غلى الدم في رأس الشيخ وعلم ان غريمه هو هذا الواقف امامه فلم يجد سوى ان يخرج خنجرا كان في جيبه وطعنه به طعنة نجلاء فهوى الفتى على ركبتيه لا يصدق ما جرى له ونزع الخنجر من بطنه بألم رهيب وقبل أن يعي الشيخ ما حوله أحس بالطعنة من المطعون وهوى أيضا على ركبتيه وتقابلت نظراتهما الضائعة بين الكره والندم
وقال الشيخ مقاوما الألم
-أتعلم يا صديقي؟ حين كنت فتى ظننت أنك شيخ سعيد ولكني حين صرت شيخا وجدت ان في شبابي السعادة فكم نحن أغبياء
رد عليه الفتى
-كان بامكانك ان تجعل شيخوختك سعادة فالسعادة ليست محطة في مرحلة وانما هي طريق كما اعلم وتعلم
ثم سقط الاثنان تغسل دماؤهما سرهما تحت ذلك النور الباهت من ذلك القمر المتلألئ
جمال الزولاتي
jamal zoulati








