ثم استنارت الغرفة.....و ها هو الضيف قد حضر
صمتت طويلا تنتظره أن يتكلم و يحدثها عن حبيبته بأحزانهما و أفراحهما...أن يحدثها عن ذلك المشرط الذي به فتح قلبها...أجل فحبيبته كانت مشرطا به فتح فؤادها واطلع على تجويفاته من غير أن يفهم أن كل تجويف يؤدي إلى بؤرة الضياع
هي لتوها بدأت تفهم...فحبيبته كانت مجرد قيود ذهبية جعلها أمام عينيها حتى إذا انخدعت ببريقها المشع هوى على قلبها وكبلها عن طواعية واستسلام
صمتت طويلا لكي يحدثها عن تلك المشاعر النابعة من عالمه الرومانسي الساحر لكنه لم يفعل
روحه هذه المرة حضرت خالصة بلا انانية و لا خداع
أخذت جرعة من العصير لتمهد بها الطريق لكلماتها لعلها لا تخرج دون غصة أو اختناق
لم تفهم ماذا يجري لها.....هل الطبيعة تريد أن تنصفها بالخيال؟
هل الوجود منعها عن التعبير في الواقع و أباحه لها في غير ذلك؟
أيكون عدل أن يبتسم الجميع و يسعد في لوحة الظهور و هي تكتفي بسعادتها في صورة الخفاء؟
هل عدل أيتها الطبيعة أن تمنحي الناس المائدة بما عليها و تقبل هي بالفتات المتناثر منها؟
أعدل هذا أن تقنع بحبيب في الخيال؟
لا أبدا.....حبيبها ليس خياليا....بل هذا الذي زارها في غرفتها هو الحقيقة و ذاك الذي تدنسه صورة جسده في الخارج ليس سوى وهم
نعم.. هي تقنع بهذا الذي أمامها...هو حبيبها و هي حبيبته
بدأت تحدث الشمعتين على النعلين
بل بدأت تحدث حبيبها في كبرياء واضح ثم سرعان ما استسلمت لمشاعرها حين احست أن الحب لا يرضى بالكبرياء لباسا
"مرحبا بك أيها المتطفل المقبول في غرفتي البائسة
غرفتي ليست مادة فلا تنظرها بعينيك الحالمتين...إن هذه الغرفة المظلمة هي حياتي وأنت هو هاتين الشمعتين اللتين تصران على إنارة المكان
فأنت صديق غير عادي...مادامت جوارحي اطمأنت إليك فأنت صديق غير عادي
أماه...أبتاه...اعذراني إن قلت أن حبكما لا يكفيني دون حب هذا الصديق الذي أمامي
أنتما كنتما كالشعلة و الغاز فجعلتماني أتعرف على النار لكن اسمحالي أن اخبركما أنكما لستما النار....فالنار هي هذا الصديق المقدس
أعترف يا أمي إني كنت صفحة فارغة فأنت تكتبين و أبي يملي ثم أنتِ تملين وأبي يكتب...كنت صفحة فارغة فملأتماني بكل الافكار والاحاسيس و لكني أحببت أن يقرأني شخص غيركما...شخص أعتبره صديقي
اعذراني فعلا أنا لم أعد أعرف شيئا عن نفسي منذ التقت عيناي بعينيه
ما به نور الشمعتين يخفت ثم يتوهج و كأنك تهتز غرورا؟
أنا لن أسمح لك باحتقاري فأنت رغم أنك كل شيء أستطيع أن أحولك إلى لا شيء
في الواقع....خارج الغرفة...أنت الملك و رغم ذلك لم استسلم لك بالاعتراف....أما هنا فأنت عبدي...أنا الملكة....آمرك فتأتمر
اصمت و اغتسل بشلالات عيني التي تنهمر من أجلك
أصمت فأنا من يحق له التحدث هنا
أصمت فإن قلبي منذ عرفك ألـــّف سـيمفونية حزن مازال يلح علي أن أسمعكها....فاستمع لها بخشوع إني سأعزف لك بقيثارة آلهة الحب
أعلم يا صديقي العزيز إني ماضعفت يوما لشعور غريب
لم أستسلم لعواصف عواطفي...لكن أمامك ضعفت
أعلم يا صديقي العزيز أني أعلنت عليك حربا خفية دون مقدمات و استسلمت أمامك قبل أن اشهر سيفي......أمامك يا صديقي ضعفت
إياك أن تظن أني لا أحس بقدر نفسي و أنا أجعلك تخون حبيبتك معي
أنا أعلم أني حقيرة
فيا صديقي تعامى أمام دموعي و تصامم إن سمعت كلمة تخرج مني تحمل معنى الحب
لكن بالله عليك لا تحرمني من مصارحة نفسي
دعني أناديك حبيبي في هذه الغرفة فقط و أنت تجاهل و احسبني كما لو أني لا أنطقها....بالله عليك إنها الكلمة التي تطفئ بعض لهيبي فارحم ضعفي
أنا يا حبيبي الذي لا يعلم أني أحبه أصبحت إن كنت معك أرى الناس حولي و إن لم يكونوا.....و أصبحت إن لم تكن بجانبي لا أرى الناس و إن كانوا....
يعلم الله أني ما نطقت جهلا و أن كلامي حق مثلما أن حبي حق
أنا يا حبيبي الذي تحب غيري ألعب معك دور الأم التي تستمع لآهات ابنها تجاه ابنته و لكن لا تعلم أني أنا امك.....أنا أمك يا حبيبي تمنيت أن أكون ابنتك
إن هاتين الشمعتين تشعراني بالدفء لأنهما هما قلبك
دفء ينبعث منهما كما ينبعث من عينيك و كلامك .. فدع يدي تقترب من نارهما لتأخذ قبسا من قداستك
أتسمح لي أن آخد منهما قطعة نارية أسعد بها قلبي؟
آآآآآه كم هو مؤلم دفؤك في يدي و لكنه يشعرني بسعادة لأنه مهما اشتد الألم في جسدي لن يكون مثل الألم الذي تحسه روحي
تريد معرفة كيف هو جرح قلبي...صح؟
أن تكون أمّ تضحك مع ابنها الوحيد ثم تأتي ابنته الوحيدة فتأخذه من جدتها وتتركها وحيدة تمسك قلبها خوفا من أن ينزل إلى أمعائها كمدا.....شعور هذه الأم يشبه شعور قلبي
سأصف لك ألمي ببعض اللغات فإن لم تفهمها جميعها فهمت إحداها
بلغة التجار...حين يعقدون صفقات مربحة ببعض أمولهم و حين يغترون بأرباحهم يعقدون صفقة أخرى بكل أموالهم فتكون تلك الصفقة الطريق إلى الفقر.....ألم هؤلاء يشبه ألم قلبي
بلغة التلاميذ....حين يبذلون جهدهم كله في فهم و حفظ الدرس و حين يعرضون على الامتحان يلقون أسئلة ليس لهم فيها حول ولا قوة....ألم هؤلاء المساكين يشبه ألمي
بلغة المقاولين....يفنون أعمارهم في بناء العمارات و المساكن لبيعها فيهب زلزال من حيث لا يدرون فيحول تعبهم و حلمهم دكا دكا...ألمهم قد يكون شبيها بألمي
بلغة العلاقات...حين يكبر الابن و يتعلق بأسرته فيكتشف في النهاية أنه مجرد هدية من دور الاطفال بدم مجهول فواكبداه على ألمه الذي يشبه ألمي
و بلغة العشاق....حين ترسم الحبيبة طريقا أبديا مع حبيبها ثم ينعرج عنها في طريق آخر مع حبيبة أخرى تاركا إياها وسط أنياب الحسرة والندم
غير أن هذه الحبيبة سيكون لها العزاء حين تذكر أنه خائن و هي وفية
أما أنا يا حبيبي فلست وفية وأنت لست خائنا
أنا كالمنتحر الذي يبحث عن قاتله...فأنا من قتل قلبي باسمك و اتهمتك من بعد
و رغم كل هذا لن أفضح اتهامي أمامك....سأظل دائما أحاكمك في محكمتي الخيالية فأكون أنا القاضي و أنا الضحية و أنا المحامي و أنا السجن وأنت المجرم
في محكمتي الرائعة يا سيدي سأقول أنك خربت المنطق لدي فجعلت لي الحزن فرحا و جعلتني أرى الكل في واحد والواحد في كل
و سأقول إن حبيبتك التي تكلمني عنها كانت خنجرا طعنتني به فلو لم تحبها لما أحببتك و لو لم تضع قلبك بيديها ما وضعت قلبي بيديك
سأتهمك في محكمتي العادلة باحتلالك غير المنطقي و سأبرهن لها عن عيني التي أسلت دمعها و عن صدري الذي سللت آهاته
و سأطلب من القاضي أن ينصفني منك بعد أن قتلت عصافيري و دست ازهاري و أفزعت براءتي و سرقت قلبي...سأطلب من القاضي أن يحكم عليك بالإعدام بنيران الأشواق لكنه سيحكم عليك في الأخير بالبراءة لأن يا حبيبي......لأن محكمتي تحبك
في خيالي يا سيدي سأكون أمامك دائما ملكة تسجد لعبدها...أنا السيدة التي تجلب لك القهوة في الصباح و لكن في الواقع أنا أمَــتُــُك التي علمها الكبرياء طعم التمرد..أنا امــتـُـك التي لا يعرف ظهرها الانحناء
هنا يا سيدي سأكون العاشقة التي أهدت شرايينها لأصابعك تجعلها أوتارا تعزف عليها ألحانا حزينة كأيامي
لكن هناك في الواقع....الأوتار على العود والكمان و شراييني ليست سوى شرايين
هنا يا سيدي ممكن أضحك فتعرف اني أبكي دون ان تخدعك ضحكاتي لكن هناك حيث توجد شمس واحدة وقمر واحد فضحكي أمامك ضحك و البكاء بكاء
هناك يا سيدي ترى شفتي المبتسمتين مجرد شفتين و لكن هنا هي وعاء تتصبب فيه الأدمع
هنا يا سيدي تسمع كلامي من غير أذن و أسمع كلامك من غير لسان لكن هناك....هناك يا حبيبي يجري شيء آخر ملته أذناي و مله لسانك
أنظر إلى عيني....ألا ترى نفسك؟ تأمل مليا فستجد بعضا منك على جفني
نفسك يا سيدي احتلت ذراتي
لامادتك أيها المقدس قد استعمرت مادتي فهيهات أن تعلو المادة على اللامادة
روحك حلت جسدي فأجبني بالله عليك...من حل في جسدك؟
هل روح حبيبتك من يحدثني الآن أم هي روحي التي ضاعت من بين جنباتي؟
أم هو جسدك يحمل أرواح النساء جميعا؟
أتذكر يا حبيبي لما قلت لي إنك خاصمت حبيبتك و أنك لن تعود إليها؟
أنا ما زلت أذكر أني امرتك بالعودة اليها
أتعرف لم؟
لأني يا حبيبي كنت أرى نفسي في حبيبتك
و حين كنت تحدثني عنها كنت أحسبك تحدثني عني.... و حين أخبرتني أنك تحبها حسبتك تخبرني أنك تحبني"
ثم أحست أن النور ازداد في الغرفة
إن الظلام يكاد يرحل أمام هذا التوهج المفاجئ
هي حين انغمست في مناجاتها لم تكن تنظر إلى الشمعتين فظنت أنهما توهجتا لكلماتها
تلك الشمعتان لم تكونا شيئا عاديا و أنما هما قلب حبيبها
إن حبيبها قد اشتعل قلبه بكلماتها.......أحست بالسعادة
لكنها تفاجأت حين نظرت أن الشمعتين قد ذابتا و أن النار شبت في النعلين و هاهما يتوهجان لينطفئا بعد قليل
فانتبهت من خيالها و عادت تعاستها تمضغ السعادة و تحولها إلى بقايا مرفوضة في عالم الحقيقة ثم سرعان ما غاصت في ظلمتها الاولى....ظلمة غرفتها التي تمثل حياتها....فودعت تلك الأنوار العابرة بضحكات هستيرية تستقبل بها عالم الجنون
الاربعاء, 04 يونيو, 2008
وضعت النعلين أمامها بعناية تامة في غرفتها المظلمة و الهادئة حيث لا نور و لا صوت ثم وضعت على كل نعل شمعة و قدمت لهما كأس عصير بقلب يكاد يطير خفقانا بزيارة مقدسة تقترب باقتراب شعلة عود الثقاب من فتيلتي الشمعتين
جمال الزولاتي
jamal zoulati
أضف تعليقا
اضيف في 02 يوليو, 2008 10:55 م , من قبل نبيلة غنيم
من مصر
من مصر

ملكة وأمه
عبد وملك
هزيمة ونصر
نار ونور
عقل وجنون
جنون وجنون
هذا هو الحب .. لا نعرف ماذا يريد منا وماذا يريد بنا
لا نعرف الطريق له وإذا وجدناه لا نعرف طريق الرجوع!!
جمااااااال
اهتزت جوارجى لكم المشاعر في هذا السرد الفياض ووقف عند:
"أعترف يا أمي إني كنت صفحة فارغة فأنت تكتبين و أبي يملي ثم أنتِ تملين وأبي يكتب...كنت صفحة فارغة فملأتماني بكل الافكار والاحاسيس و لكني أحببت أن يقرأني شخص غيركما...شخص أعتبره أنا"
هذه الجملة يبدو أننى قلتها من قبل ولكن اين أو كيف او متى... لا اعرف.
تحياتى
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية









من المغرب