أسألك أيها الإنسان القابع في أعماقي:
ما الذي يجعلك تخضع لرغبات أحباءك و المقربين لك فقط
لترضيهم ؟
هناك ملحوظة جميلة يا سيدتي احب أن أنبهك إليها..وهي أنه ما من شيء نقدمه للآخر الا ونأخذ حصتنا منه تعادل أو تفوق حصة هذا الآخر
فأنا الإنسان الذي في دواخلك أحاول إرضاء أحبائي مرغما لا مريدا لكي أحصل على متعة أبحث عنها
ولو كنت أدري أني لن أشعر بمتعة لما فكرت في تلبية رغباتهم
فاطمئني آنستي...إن الذي يجعلني اخضع لرغبات احبائي هو خضوعي لرغبتي
لماذا عندما تلبي رغباتهم و طلباتهم تتقوقع على نفسك و تبدأ في اجترار فصول المرارة و الندامة.. ما الذي يجعلك تتجاهل مبادئك و تلقي بها عرض الحائط في لحظة ضعف رخيصة.. لحظة ضعف تقتنصك كأرنب يحاول الاختباء وراء حشائش تفضحه أكثر مما تستره
لحظة ضعف تمضغك و تتلذذ بنفاقك و ادعاءاتك ثم ترميك على قارعة الضمير مضرجا بالآلام و الحسرة.. و في كل ركن تجد نارا من عتاب تلفح أعماقك المهترئة.. أعماقك – التي كانت نقية ذات يوم– لوثتها الآن بكثرة ما زججت بها في وحل مغامراتك و أحلامك الطائشة
مهلا ..بربك تمهلي لتستوعبي ما تبعثينه إلي...صحيح أني طلبت منك بعضا من كلمات تغسل اوساخي وتنعش اوصالي
وصحيح أن كلماتك مطر ينزل من سحب أحزانك إلى صحراء انكماشي
ولكن المطر حين يزيد عن حده يقتل بعد أن يحيي
فمهلا
تتكلمين عن الضعف وكأنه هو والقوة على طرفي نقيض...وكأنه عقيم لا ينجب في لحظة انفجار انتصارا تحار فيه جميع القوى
لولا الضعف يا آنستي في دواخلنا ما عرفنا سبيل القوة.. فالضعف استراحة نستغلها لنراجع حساباتنا حتى نمضي في سبيل قويم حين نصبح أقوياء....
فحين تضعفين قولي دوما إني الآن أرى قوتي
هذه اللحظة التي تمضغني وترميني على قارعة الضمير هي التي تصنع انسانيتنا....أشربت يوما عصيرا حلوا دون أن تعصريه؟
أأكلت يوما موزا دون أن تقشريه؟
أفكرت أن تخاطبيني يوما
أناديتني يوما "أيها الانسان" دون أن تضعفي؟
ثم مهلا أرجوك..ما طعم الحياة دون مغامرة؟
ما لونها دون احلام طائشة؟
ما فائدة الثوب أن نحافظ على نظافته دون ان يتسخ يوما..دون أن نلبسه؟
تعقلي أرجوك
فليس اول مرة أنت تحزنين لكي احتاج إلى تلقينك دروس فن الحزن
أيها الإنسان القابع في أعماقي على أي شيء تحزن الآن؟ لقد دخلت في متاهة لا قبل لك بها و لا قبل لك بالخروج منها.. في الخطوات الأولى تبدو شامخا مثيرا غائما يتطلع الكل ليعرف خباياك و أسرارك و تركب موج جنونك بهستيريا و تغلف ضعفك المستكين فيك برداء العظمة..
تمشي لاهيا لاعبا لكن حين تصل لمنتصف الطريق و تنظر وراءك –بالصدفة – تتراءى لك أشلاءك الصغيرة قد خدشت بشظايا جنونك.. تتراءى لك تلك الأنا – البالغة الشفافية – قد طعنت و سقطت أرضا تواسي جراحها فلم تقوى على مجارات سرابك
أيها الإنسان القابع في أعماقي.. اعذرني لا أقدر على انتشالك و أنت تتمايل على أرصفة التيه و تعربد فوق رماد نار حرقت مواطن الأمان في نفسي
الحزن عنقاء سجلي..هو السرمدية البهية المتبدية في شعور تعيس
الحزن فرد في الحزن مجموعة...ان قتلت واحدا تهافت عليك الثاني...الحزن مجموعة في الحزن طابور من المجموعات..ان دمرت مجموعة تلقفتك الثانية...الحزن طابور من المجموعات في الحزن السرمد
لا مجال لرؤية نهايته...
فأنت- لو تذكرين- مررت باحزان عدة في قصة وحيدة في كل مرة تجتازين واحدا تلاقين آخر..إلى أن تجتازي مجموعة من الاتراح المجتمعة في قصة...وتبدئين قصة أخرى..
سواء انتشلتني أم لم تنتشلي...فجسدي البض لا يجف
أبدا لا يجف
لقد غمرتك بحضن الطمأنينة بقدر ما زرعت الخوف في روحي، و وثقتك بك بقدر ما أشك في قدرتي على إنقاذك اللحظة و أنت تعاود تكرار الغرق أمام عيني
أروع ما في الغريق أنه يموت وهو يغتسل
ففي كل حشرجة تسمعينها نابعة مني اعلمي أن دواخلك تغتسل
فاطمئني








